الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور
47
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )
و ( ما ) في قوله : عَمَّا يُشْرِكُونَ مصدرية ، أي عن إشراكهم ، أي تعالى عن أن يكون ذلك ثابتا له . وقرأ حمزة والكسائي وخلف تشركون بالمثناة الفوقية على أنه من جملة المقول . وقرأه الباقون بالتحية على أنها تعقيب للخطاب بجملة قُلْ . وعلى الوجهين فهي مستحقة للفصل لكمال الانقطاع . [ 19 ] [ سورة يونس ( 10 ) : آية 19 ] وَما كانَ النَّاسُ إِلاَّ أُمَّةً واحِدَةً فَاخْتَلَفُوا وَلَوْ لا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ فِيما فِيهِ يَخْتَلِفُونَ ( 19 ) جملة معترضة بين جملة يَعْبُدُونَ [ يونس : 18 ] وجملة : وَيَقُولُونَ لَوْ لا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِنْ رَبِّهِ [ يونس : 20 ] . ومناسبة الاعتراض قوله : قُلْ أَ تُنَبِّئُونَ اللَّهَ بِما لا يَعْلَمُ لأن عبادة الأصنام واختراع صفة الشفاعة لها هو من الاختلاف الذي أحدثه ضلال البشر في العقيدة السليمة التي فطر اللّه الناس عليها في أول النشأة ، فهي مما يشمله التوبيخ الذي في قوله : أَ تُنَبِّئُونَ اللَّهَ بِما لا يَعْلَمُ فِي السَّماواتِ وَلا فِي الْأَرْضِ [ يونس : 18 ] . وصيغة القصر للمبالغة في تأكيد الخبر لأنه خبر مهم عجيب هو من الحكم العمرانية والحقائق التاريخية بالمكان الأسمى ، إذ القصر تأكيد على تأكيد باعتبار اشتماله على صيغتي إثبات للمثبت ونفي عما عداه ، فهو أقوى من تأكيد رد الإنكار ، ولذلك يؤذن برد إنكار شديد . وحسّن القصر هنا وقوعه عقب الجدال مع الذين غيروا الدين الحق وروجوا نحلتهم بالمعاذير الباطلة كقولهم : هؤُلاءِ شُفَعاؤُنا عِنْدَ اللَّهِ [ يونس : 18 ] ، وقوله : ما نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونا إِلَى اللَّهِ زُلْفى [ الزمر : 3 ] ، بخلاف آية سورة البقرة [ 213 ] كانَ النَّاسُ أُمَّةً واحِدَةً فإنها وقعت في سياق المجادلة مع أهل الكتاب لقوله : سَلْ بَنِي إِسْرائِيلَ كَمْ آتَيْناهُمْ مِنْ آيَةٍ بَيِّنَةٍ [ البقرة : 211 ] وأهل الكتاب لا ينكرون أن الناس كانوا أمة واحدة . فآية هذه السورة تشير إلى الوحدة الاعتقادية ولذلك عبر عن التفرق الطارئ عليها باعتبار الاختلاف المشعر بالمذمة والمعقب بالتخويف في قوله : وَلَوْ لا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ إلى آخره ، وآية سورة البقرة تشير إلى الوحدة الشرعية التي تجمعها الحنيفية الفطرية ، ولذلك عبر عن التفرق الذي طرأ عليها بأن اللّه بعث النبيئين مبشرين ومنذرين ، ثم جاء ذكر الاختلاف عرضا عقب ذلك بقوله : وَأَنْزَلَ مَعَهُمُ الْكِتابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ